علي بن يوسف القفطي
331
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وكان في زمان نظام الملك وملكشاه قد تولَّى الديوان بآمد ، وأساء التدبير فيه لكوهنة تتداخله ، فحوقق ( 1 ) واعتقل ؛ إلى أن شفع فيه طبيب كان حظيّا بحضرة ملكشاه ، فأطلق سراحه ، وانتقل إلى ميّافارقين ، وقد باضت الرياسة في رأسه وفرّخت . وجرت بميّافارقين حركة طلب لأجلها من يتولَّى من قبل السلطان ، فاجتمع أهل المدينة على من يولَّونه ، واجتمع رأيهم على رجل من بيت آل نباتة ( 2 ) الخطباء ، ليتولى الإصلاح بين المتخاصمين ، فأقام أياما ، ثم رأى الأمر لا يستقرّ على ما هو عليه ، فاعتزل الأمر ، ولزم منزله ، فتهيأ لها ابن أسد الفارقيّ ، ونزل القصر بها ، وحكم وما أحكم ، وجرت أحوال قضت له بالانفصال على غير جميل ، وخاف سطوة السلطان ، فخرج عنها إلى حلب ، وأقام مدّة ، ثم حمله حبّ الرياسة والوطن ، فعاد طالبا لها . ولما حصل بحرّان قبض عليه نائب السلطان وشنقه . ومن أعجب ما اتّفق أنه قال عند عزمه على المسير من حلب أبياتا كانت طيرة ( 3 ) عليه ، وهى : لو أنّ قلبك لمّا قيل قد بانوا * يوم النوى صخرة صمّاء صوّان لعيل صبرك مغلوبا ونمّ بما * أخفيته مدمع للسر صوّان ( 4 ) زجرت ( 5 ) أشياء في أشياء تشبهها * إذ بينهنّ رضاعات وألبان فقال لي الطَّلح ( 6 ) يوم طالح ونوى * وحقّق البين عندي ما وأي البان ( 7 )
--> ( 1 ) حوقق : خوصم . ( 2 ) نباتة ، بضم النون وفتحها ، على خلاف تجده في تاج العروس ( 1 : 590 ) . وآل نباتة ينسبون إلى عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن إسماعيل الفارقي . ومن ذريته جمال الدين الشاعر المعروف بابن نباتة . ( 3 ) الطيرة : ما يتشاءم به من الفأل الردئ . ( 4 ) صوّان : حافظ . ( 5 ) الزجر : التكهن . ( 6 ) الطلح : شجرة طويلة ، لها ظل يستظل به الناس والإبل ، وورقها قليل ، ولها أغصان طوال عظام . ( 7 ) وأي : وعد ، والبان : شجر يسمو ويطول في استواء ؛ مثل شجر الأثل .